حسناء ديالمة

280

الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق

الضاغطة والمثيرة لا يستطيعون التغلب على الشهوات والأهواء ، فكثيرا ما يعلمون الخير ويجتنبونه ، ويعلمون الشر ويأتونه « فمعرفة الخير ليست كافية في الحمل على فعله ، بل لا بد أن ينضم إليها إرادة قوية حتى يعمل على وفق ما علم » « 1 » . ونعني بالإرادة القوية ، إرادة تنفذ ما قصدت إليه مهما كلفها من المشاق ، ومظاهر قوة الإرادة هي الشجاعة في مواجهة الحياة وألوانها المختلفة حلوها ومرها ، والثبات على المبادئ التي يؤمن بها والاستمرار في تطبيقها مهما تكلفه من العناء والمشقة ، أينما كان وحيثما وجد . وقد جمع الإمام الصادق هذه المعاني كلها في كلمته البليغة : « ما ضعف بدن عما قويت عليه النية » « 2 » . أي إذا كانت إرادة الإنسان في نفسه قوية ، فإنها تمنح الجسد قوّة بحيث يستطيع أن يقوم بما تنفتح عليه الإرادة ولو كان ضعيفا . وقد عدّد في تعاليمه ما يدل على مزيد من الاهتمام بتكوين الشخصية القوية الإرادة ، ومنها تركيزه على الأمور التالية : * الدعوة إلى مخالفة الهوى وجهاد النفس : لا شك أن جهاد النفس هو من أعظم الأعمال التي يقوم بها الإنسان في حركته التكاملية ، وقد جاء التعبير عنه في الحديث الصحيح المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه الجهاد الأكبر « 3 » وأهمية هذه الضابطة في جانبها الذاتي ، إنما تنبع من تربية الإرادة الإنسانية وتقويتها . ولذلك يدعو الصادق إلى هذا الأمر بقوله : « لا تدع النفس وهواها ، فإن هواها رداها ، وترك النفس وما تهوى أذاها وكف النفس عما تهوى دواؤها » « 4 » . وفي تربية الإرادة أبان الصادق أن النفس ورغباتها وأهواءها عدو الإنسان ، فحذّر الناس منها وأمرهم بكبحها والسيطرة عليها بقوله : « إحذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم ، فليس شيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم ، وحصائد ألسنتهم » « 5 » .

--> ( 1 ) أحمد أمين ، الأخلاق ، مكتبة الخانجي ، مصر ، 1958 ، ص 36 . ( 2 ) الصدوق ، من لا يحضره الفقيه ، ج 4 ، ص 400 ، ح 5859 . ( 3 ) قد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما الجهاد الأكبر ، قال : جهاد النفس ، ثم قال : أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه ( الصدوق ، معاني الأخبار ، ص 160 ) . ( 4 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب اتباع الهوى ، ح 4 . ( 5 ) المصدر نفسه ، والمكان نفسه ، ح 1 .